الأسواق الشعبية لتونس العاصمة: جوهرة المدينة العتيقة وذاكرتها الحية
تُمثل الأسواق الشعبية (أو الصُّوق كما تُعرف محلياً) في تونس العاصمة النواة التاريخية والاقتصادية للمدينة، حيث تتشابك ممراتها الضيقة لتُشكل شبكة معقدة وساحرة تحيط بـ جامع الزيتونة المعمور. هذه الأسواق ليست مجرد مواقع للبيع والشراء؛ بل هي مدارس للحرف، ومراكز للتفاعل الاجتماعي، ومختبرات حية لحفظ التراث والهوية التونسية على مدى قرون.
البنية المعمارية والتنظيم الحرفي:
يعكس التصميم المعماري للأسواق التخطيط الإسلامي التقليدي للمدن، الذي يضع المركز الديني (الجامع) في القلب، وتتفرع منه الأسواق بحسب أهميتها وحجم بضائعها.
- الأزقة المغطاة (السقيفة): الميزة الأبرز هي الأسقف التي تُغطي أغلب ممرات الأسواق. هذه الأسقف، سواء كانت قباباً حجرية أو أسقفاً خشبية معرشة، لم تُصمم للظل فحسب، بل لـ توحيد المظهر التجاري وإعطاء إحساس بالخصوصية والحماية للنشاط الاقتصادي. إنها تُحوّل التجول في السوق إلى تجربة شبه داخلية ومحمية من تقلبات الطقس.
- الوحدة والتخصص: يتميز التنظيم بـ التخصص الحصري؛ فكل سوق (صُوق) كان مخصصاً لنوع واحد من التجارة أو الحرف، مما ساهم في جودة الإنتاج وتنافسية الحرفيين. هذا التنظيم سمح للحرفيين بتأسيس "نظارة" أو نقابة خاصة بهم لتنظيم المهنة وضمان جودة المنتجات، وهو نظام يعود إلى العصور الوسطى.
تفصيل في أهم الأسواق وحرفها:
كل سوق يحكي قصة حرفة عريقة، وإليك توسع في أدوارها ومنتجاتها:
1. سوق العطارين (عبق التاريخ):
يعتبر هذا السوق من أكثر الأسواق سحراً وهدوءاً. كان قديماً يُزود به الأمراء والسلاطين. اليوم، لا يزال يُحافظ على روحه التقليدية ببيعه الورد المجفف، الحناء، والمسك، والبخور مثل "البخور التونسي بالصندل". الأهم هو أنه مركز لبيع "الشموع المعطرة" والزيوت الأساسية التقليدية، ويُعتبر المدخل الرئيسي لعالم العطور التونسية الأصيلة.
2. سوق البلاغجية (فخامة الجلد):
هذا السوق هو موطن الأحذية التقليدية التونسية. الحرفيون هنا يُتقنون فن صناعة "البلاغة" (المداس) الجلدية للرجال والنساء، و**"التشيشة"** ذات الكعب العالي المخصصة للعرائس. يتنوع الإنتاج بين الجلد الطبيعي (البقري أو الجملي) والتطريز بالخيوط الحريرية أو الذهبية، وهو ما يُظهر مهارة فائقة في دبغ الجلود وصباغتها وتطريزها.
3. سوق الكبابجية (رمز الهوية):
مخصص لصناعة "الكَبُّوس"، الذي يُعتبر رمزاً للهوية في بعض مناطق تونس. الكَبُّوس يُصنع من صوف الغنم أو الجمل، ويتم تلبيده وصباغته باللون الأحمر القرمزي الداكن. الحرفيون هنا يُطبقون تقنيات يدوية قديمة جداً لإنتاج هذه القبعة التي تتطلب دقة كبيرة في الشكل والصلابة.
4. سوق البركة (تألق المجوهرات):
شهد هذا السوق تحولاً جذرياً؛ فبعد أن كان مركزاً لتجارة الرقيق في الماضي البعيد، أصبح اليوم مركزاً لتجارة الذهب والمجوهرات. يتميز هذا السوق بوجود ورشات صياغة المجوهرات التي تُنتج الحلي التونسية التقليدية، مثل "الخلخال"، و**"المسايس"** (الأساور)، والتي غالباً ما تتزين بالنقوش العثمانية والبربرية القديمة.
5. سوق النحاسين (رنين الحرفية):
هذا السوق هو الأكثر ضجيجاً بفعل أصوات المطارق التي تضرب على صفائح النحاس. الحرفيون هنا متخصصون في الطرق والنقش على النحاس الأصفر والأحمر، لإنتاج أواني الطبخ التقليدية، صواني الشاي، الديكورات، وفوانيس النحاس المزخرفة التي تُضيء البيوت التونسية. إنه مثال حي على بقاء الحرف اليدوية في مواجهة التصنيع.
التجربة الكلية والمذاق الاجتماعي:
التجول في أسواق تونس العاصمة هو تجربة حسية غامرة. فهي لا تقتصر على رؤية البضائع فحسب، بل على استنشاق روائح التوابل في سوق الغرانة، وصوت المطارق في سوق النحاسين، ولمس الأقمشة الحريرية في سوق القماش، وتذوق الشاي بالنعناع الذي يُقدمه التجار.
هذه الأسواق هي المحور الاجتماعي الذي يربط بين الأجيال؛ حيث لا يزال التونسيون يرتادونها لاقتناء حاجياتهم اليومية أو تحضيراً للمناسبات الكبرى كالزواج والأعياد، مما يُرسّخ دورها كـ مساحة للذاكرة المشتركة التي تُقاوم طغيان المراكز التجارية الحديثة. إنها ببساطة، الروح التي تُحيي المدينة العتيقة.