حديقة البلفيدير في تونس العاصمة: ذاكرة قرن من الزمان ورحلة بين عبق التاريخ الأندلسي وسحر العمارة الفرنسية الكلاسيكية

حديقة البلفدير:

تُعد حديقة البلفيدير (Parc du Belvédère) الرئة الخضراء النابضة لقلب العاصمة التونسية، وهي ليست مجرد مساحة مشجرة، بل هي معلم تاريخي وثقافي ارتبط بذاكرة أجيال من التونسيين والسياح على حد سواء. تمتد هذه الحديقة على مساحة شاسعة تناهز مائة هكتار، مما يجعلها أكبر حديقة حضرية في البلاد.

لمحة تاريخية ونشأة الحديقة:

يعود تأسيس الحديقة إلى نهاية القرن التاسع عشر، وتحديداً في عام 1892، خلال فترة الحماية الفرنسية. صُممت الحديقة على يد المهندس المعماري الشهير "جوزيف لافوركاد"، الذي استوحى تصميمها من الحدائق الإنجليزية والفرنسية الكلاسيكية، حيث تعمد ترك الطبيعة تنساب بمرونة مع تضاريس الهضبة التي تقع عليها الحديقة. كان الهدف من إنشائها توفير متنفس طبيعي للنخبة وسكان المدينة بعيداً عن صخب المركز التجاري.


الموقع والجغرافيا:

تتربع الحديقة على هضبة تطل على مدينة تونس، مما يمنح الزوار إطلالات بانورامية رائعة تشمل بحيرة تونس والمباني التاريخية للعاصمة. تتميز تضاريسها بالتنوع بين الروابي المرتفعة والمنحدرات اللطيفة، وتتخللها مسارات مخصصة للمشي والجري، مما يجعلها الوجهة الأولى لمحبي الرياضة في الصباح الباكر.


المكونات الأساسية والمعالم البارزة:

تضم الحديقة مجموعة من المرافق التي تجعل منها مركباً ترفيهياً متكاملاً:

  • حديقة الحيوانات: تُعتبر من أكثر الأماكن جذباً للعائلات، حيث تضم مجموعة متنوعة من الحيوانات الإفريقية والآسيوية والمحلية، مثل الأسود، النمور، الفيلة، والزرافات، بالإضافة إلى قسم خاص بالطيور والزواحف.
  • قصر القبة (قبة النحاس): وهو تحفة معمارية أندلسية الطراز كانت في الأصل جزءاً من قصور أحد البايات، وتم نقلها وتركيبها في الحديقة. تتميز بزخارفها الجصية والنقوش الرقيقة، وتُستخدم حالياً لاستضافة المعارض الفنية والفعاليات الثقافية.
  • نادي التنس وبحيرة البط: توفر الحديقة مساحات لممارسة الرياضة، كما توجد بحيرة صغيرة يسبح فيها البط والوز، وهي مكان مثالي للاسترخاء والتقاط الصور.
  • متحف الفن الحديث: يقع في محيط الحديقة، ويضم مجموعات فنية هامة تعكس تطور الحركة التشكيلية في تونس.


الغطاء النباتي والتنوع البيئي:

تمثل البلفيدير محمية نباتية غنية، حيث تحتضن آلاف الأشجار المعمرة مثل أشجار الصنوبر، السرو، الزيتون، والنخيل. هذا التنوع النباتي لا يوفر الظل والجمال فحسب، بل يعمل كمصفاة طبيعية للهواء، ويحمي المدينة من التلوث والضوضاء. في فصل الربيع، تتحول الحديقة إلى لوحة ملونة بفعل الزهور البرية التي تنمو في أرجائها.


القيمة الاجتماعية والثقافية:

بالنسبة للتونسيين، البلفيدير هي "حديقة الذكريات". ففيها يقضي الأطفال عطلاتهم، ويلتقي الأصدقاء تحت ظلال أشجارها، ويمارس الرياضيون هواياتهم. كما أنها وجهة سياحية هامة تتيح للزائر الأجنبي التعرف على جانب مختلف من العاصمة التونسية، بعيداً عن الأسواق التقليدية والآثار الرومانية.


التحديات والجهود الحالية:

تواجه الحديقة في السنوات الأخيرة تحديات تتعلق بالصيانة والنظافة وحماية الحيوانات، مما دفع السلطات التونسية والمجتمع المدني إلى إطلاق حملات دورية للترميم والتوعية. هناك جهود مستمرة لتطوير المرافق وتحديث حديقة الحيوانات لتتماشى مع المعايير الدولية للرفق بالحيوان وحماية التنوع البيولوجي.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال