الطب الشعبي وممارسة الحجامة في مدينة كيفة: امتداد الموروث الثقافي وتحديات العصرنة في ولاية لعصابة

الطب الشعبي والحجامة في كيفة:

يمثل الطب الشعبي في مدينة كيفة، عاصمة ولاية لعصابة في الشرق الموريتاني، جزءاً حيوياً من الهوية الثقافية والرعاية الصحية المجتمعية. ورغم التطور الذي يشهده الطب الحديث والمنظومة الاستشفائية في المدينة، لا يزال السكان يحتفظون برباط وثيق مع الممارسات التقليدية التي ورثوها عبر الأجيال، والتي تجمع بين التداوي بالأعشاب البيئية، والرقية الشرعية، والحجامة التي تحظى بمكانة خاصة جداً.


جذور الطب الشعبي وأهميته في مجتمع كيفة:

يتأسس الطب الشعبي في كيفة على المعرفة العميقة بطبيعة الأرض ومناخ المنطقة شبه الصحراوي. وتعتمد الممارسات التقليدية على فئتين أساسيتين من العلاج: العلاج النباتي المستخلص من الأشجار والأعشاب المحلية التي تنمو في أودية لعصابة، والعلاج الروحي والبدني المستمد من الثقافة الإسلامية.

يمثل الطب التقليدي بالنسبة للكثير من العائلات في كيفة، خاصة في القرى والبلدات المحيطة بها، خط الدفاع الأول ضد الأمراض الموسمية وأمراض الجهاز الهضمي والآلام المفصلية. وتعود هذه الثقة إلى قناعة راسخة بجدوى هذه الوصفات المتوارثة، فضلاً عن سهولة الوصول إلى الخبراء المحليين المعروفين بـ "أهل الطب" أو "الأطباء التقليديين" الذين يمتلكون حكمة ودراية طويلة بخصائص المادة الطبية المحلية ونسب خلطها.


الحجامة في كيفة.. بين الممارسة الثقافية والوازع الديني:

تحتل الحجامة مكانة الصدارة ضمن ممارسات الطب الشعبي في مدينة كيفة. ولا يُنظر إليها كمجرد وسيلة علاجية في الثقافة المحلية، بل تُحاط بهالة من التقدير لكونها سنة نبوية يحرص الكثيرون على تطبيقها كجزء من الرعاية الوقائية والعلاجية.

تعتمد الحجامة في كيفة تاريخياً على طريقة شفط الدم وتصريفه من مواضع محددة في الجسم، وأبرزها "الكاهل" (أعلى الظهر) و"الأخدعين" (جانبي العنق) و"اليافوخ" (وسط الرأس). ويرى ممارسوها في المدينة أنها عملية "تصفية" وتخليص للجسم من الأخلاط الرديئة والسموم المتراكمة والدم الهرم الذي يتجمع في مناطق معينة ويسبب الخمول والآلام.

ويقصد سكان كيفة الحجامة لعلاج طيف واسع من المتاعب الصحية، من أبرزها الشقيقة والصداع المزمن، ارتفاع ضغط الدم، آلام الظهر والمفاصل الروماتيزمية، بالإضافة إلى حالات الخمول والإجهاد المستمر. وتُربط الحجامة أحياناً في الممارسات الشعبية بالرقية الشرعية، حيث يُعتقد أنها تساعد في تسريع الشفاء من بعض الأمراض الروحية أو الأعراض النفسية والجسدية المرتبطة بها.


تطور الأدوات والممارسات من التقليد إلى العصرنة:

شهدت ممارسة الحجامة في مدينة كيفة تحولاً لافتاً في السنوات الأخيرة. في الماضي، كانت الحجامة تُجرى بأدوات تقليدية وبسيطة جداً، مثل استخدام القرون الحيوانية المهيأة لعملية الشفط، أو كؤوس طينية صغيرة مع الاعتماد على لهب النار لتفريغ الهواء وخلق الضغط الماص، بينما كان التشريط يُجرى بأدوات حادة محلية الصنع تحت إشراف أشخاص يمتلكون المهارة بالخبرة والمحاكاة.

أما اليوم، فقد انخرطت الممارسة في موجة من العصرنة الملحوظة داخل المدينة. وأصبح الإقبال متزايداً على العيادات والمراكز المتخصصة في الحجامة والطب البديل التي يديرها ممارسون تلقوا تدريبات علمية. واستُبدلت الأدوات القديمة بكؤوس بلاستيكية وزجاجية حديثة ومعقمة تستخدم لمرة واحدة، وتعتمد على مضخات سحب ميكانيكية بدلاً من النار، مع مراعاة صارمة لشرط التعقيم والنظافة لتفادي نقل العدوى وتأمين سلامة المحتجمين.


ترابط التداوي بالأعشاب مع الحجامة في بيئة لعصابة:

لا تعمل الحجامة في كيفة بمعزل عن بقية عناصر الطب الشعبي، بل يكمل بعضها بعضاً. فعادة ما ينصح الحجامون والمطببون التقليديون في المدينة بمواكبة جلسات الحجامة ببرنامج غذائي أو دوائي يعتمد على النباتات المحلية.

من أشهر هذه النباتات المستخدمة شجرة "النيّم" التي تستعمل أوراقها على نطاق واسع في التخفيف من الحمى وتطهير الجسم، وصمغ "الطلح" (العلك) الذي يوصف لمشاكل المعدة والجهاز الهضمي، بالإضافة إلى بذور "الحبة السوداء" والتمور وزيت الزيتون التي تُوصى بها كعناصر أساسية لتقوية المناعة وتسريع التئام مواضع التشريط بعد الحجامة.

يبرز التناغم بين هذه العناصر الطبية الشعبية قدرة مجتمع كيفة على صون موروثه العلاجي وتكييفه مع متطلبات العصر، ليظل الطب التقليدي والحجامة رافداً مكملاً لا غنى عنه إلى جانب الطب الحديث في بنية الرعاية الصحية المحلية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال