صناعة الجنس في فرنسا كأداة للفرز الطبقي والقانوني: لماذا تُمنح الحصانة للأوروبيات ويُسلب حق الإقامة من المهاجرات الأخريات؟

الإطار القانوني العام لصناعة الجنس في فرنسا:

تعتمد فرنسا نظاماً يُعرف بـ "النظام الإلغائي" (Abolitionism)، وهو نظام لا يمنع ممارسة الجنس كفعل فردي بين بالغين وبالتراضي، لكنه يسعى في الوقت ذاته إلى تجفيف منابع هذه الصناعة من خلال تجريم الأطراف المحيطة بها.

في حين أن القانون لا يعاقب الشخص الذي يعرض خدماته الجنسية، إلا أنه يفرض عقوبات صارمة على "الوساطة" أو ما يُعرف بالقوادة، كما يمنع فتح بيوت الدعارة الرسمية (المواخير). هذا التناقض القانوني يجعل المهنة "مسموحة" كنشاط فردي للمواطنين، لكنها "مقيدة" بشدة بحيث لا تتحول إلى قطاع اقتصادي منظم.


المهاجرات من خارج أوروبا: التحديات القانونية والإقصاء

يواجه المهاجرون والمهاجرات من خارج منطقة الاتحاد الأوروبي (Third-country nationals) وضعاً قانونياً مختلفاً تماماً، حيث يتم دمج ملف "صناعة الجنس" ضمن ملف "السيطرة على الهجرة". وتتجلى ملامح هذا التمييز في عدة نقاط جوهرية:

1. استبعاد المهنة من تصاريح العمل:

لا تعترف الدولة الفرنسية بـ "العمل الجنسي" كمهنة تبرر الحصول على تأشيرة دخول أو إقامة. بينما يمكن للفنانين، والعمال المهرة، أو حتى العمال اليدويين في قطاعات معينة الحصول على أوراق رسمية، تظل ممارسة الجنس نشاطاً لا يُعتد به قانونياً لإصدار أوراق هوية. هذا يعني أن أي مهاجرة من خارج أوروبا تمارس هذا النشاط تظل تقنياً "بدون عمل رسمي"، مما يمنعها من تسوية وضعها القانوني بناءً على نشاطها الاقتصادي.

2. خطر إلغاء الإقامة والترحيل القسري:

تمتلك السلطات الفرنسية (المحافظات) صلاحيات واسعة لإلغاء تصاريح الإقامة السارية إذا ثبت أن المهاجرة تمارس الدعارة. ويستند هذا الإجراء غالباً إلى حجة "الإخلال بالنظام العام" أو "العيش من موارد غير مشروعة". فبمجرد رصد النشاط، يتم إصدار قرار (OQTF) وهو "الالتزام بمغادرة الأراضي الفرنسية". هذا الإجراء لا يُطبق عادةً على الفرنسيات أو الأوروبيات اللواتي يتمتعن بحرية التنقل والعمل داخل القارة.

3. الازدواجية في التعامل (الأوروبية مقابل غير الأوروبية):

تمنح قوانين الاتحاد الأوروبي مواطنيها حق الإقامة والعمل في أي دولة عضو (بما فيها فرنسا). لذا، يمكن لمواطنة من رومانيا أو بلغاريا ممارسة هذا النشاط في فرنسا دون خوف من الترحيل، طالما أنها لا تخل بالنظام العام. أما المهاجرة القادمة من أفريقيا، آسيا، أو أمريكا اللاتينية، فتفتقر لهذه الحصانة القانونية، ويصبح جسدها ونشاطها سبباً كافياً لإقصائها من البلاد.


الآثار الاجتماعية والتعقيدات الحقوقية:

أدى هذا التمييز القانوني إلى نتائج كارثية على المستوى الإنساني، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  • الدفع نحو العمل السري: خوفاً من الترحيل، تضطر المهاجرات إلى العمل في أماكن معزولة ونائية (مثل الغابات أو الشقق السرية) بعيداً عن أعين الشرطة، مما يجعلهن فريسة سهلة للمجرمين والشبكات التي تستغل ضعفهن القانوني.
  • عائق أمام التبليغ عن الجرائم: عندما تتعرض مهاجرة غير شرعية للعنف أو السرقة أثناء ممارستها لهذا العمل، فإنها غالباً ما تتردد في الذهاب إلى الشرطة خوفاً من اكتشاف أمرها وإلغاء إقامتها أو ترحيلها، مما يمنح الجناة حصانة فعلية.
  • استغلال شبكات الاتجار بالبشر: تستغل عصابات التهريب الدولية هذه الثغرة القانونية، حيث يتم إيهام المهاجرات بقدرتهن على العمل في فرنسا، ثم يتم تهديدهن لاحقاً بالشرطة والترحيل لإجبارهن على العمل في ظروف قاسية وتحت السيطرة الكاملة.


الخلاصة:

إن ممارسة الجنس في فرنسا "مسموحة" كنشاط، لكنها "محظورة" كأداة للهجرة. هذا الوضع يخلق نظاماً طبقياً داخل المهنة الواحدة؛ حيث تتمتع الأوروبيات بالأمان النسبي، بينما تظل المهاجرات من خارج أوروبا في صراع دائم بين الحاجة لكسب الرزق وخطر الملاحقة القانونية التي تنتهي غالباً بالترحيل.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال