الاتجاه الموسوعي في الجغرافيا كـ 'مرحلة الاكتشاف والتوثيق': استكشاف العوامل الدافعة لجمع المعلومات الشاملة وبداية التحول المنهجي نحو إدراك التبادلية في تأثير الإنسان والبيئة

الاتجاه الموسوعي في علم الجغرافيا: مرحلة التوثيق والرصد (منهجية الجغرافيا القديمة)

يمثل الاتجاه الموسوعي (Encyclopedic Trend) حجر الزاوية في بناء الفكر الجغرافي القديم، حيث كان العلم مدفوعًا بحاجة أساسية إلى جمع وتنظيم كل المعارف المتاحة عن الكوكب في حقبة زمنية كانت فيها رقعة العالم المعروف تتسع باستمرار. لقد كانت هذه المرحلة، بحق، مرحلة التوثيق والرصد الأولي.


1. الهدف الجوهري: التجميع الشامل للمعرفة

كان الهدف الأسمى للجغرافيا في ظل الاتجاه الموسوعي هو الاحاطة الشاملة بالمعلومة الجغرافية. لم يكن تركيز الجغرافي ينصب على التحليل العميق بقدر ما كان منصباً على التسجيل الدقيق لكل ما يقع تحت الملاحظة.

  • جمع الحقائق والملاحظات: تمثلت الممارسة الجغرافية في جمع وحفظ سجلات ضخمة تتضمن حقائق وملاحظات مفصلة عن الظاهرات. شمل ذلك ظاهرات طبيعية مثل تصنيف الأقاليم المناخية، ورسم حدود التضاريس، ووصف الغطاء النباتي والمجاري المائية، بالإضافة إلى ظاهرات بشرية تشمل عادات الشعوب، والأنشطة الاقتصادية السائدة، وطرق المعيشة في كل إقليم.
  • الرحالة والمستكشفون كركيزة: اعتمد هذا التجميع الموسوعي بشكل أساسي على إسهامات الرحالة والمستكشفين، الذين كانوا بمثابة "أجهزة استشعار" ميدانية للعالم القديم. تقاريرهم وتدويناتهم الشخصية كانت تُعد المادة الخام الأساسية التي يعتمد عليها الجغرافيون لتركيب الصورة الكبرى للعالم.

2. العوامل الدافعة لغلبة الصيغة الوصفية

تغلبت الصيغة الوصفية السردية على الجغرافيا القديمة بسبب عاملين رئيسيين متضافرين، فرضا على العلم التوجه الموسوعي:

  • ضرورة الإحاطة الموسوعية: كان الفهم السائد لدور الجغرافي هو أنه يجب أن يكون ملماً بكل تفاصيل العالم المكتشف. هذا الالتزام بالإحاطة المعرفية الشاملة أدى إلى تفضيل الاتساع على العمق، حيث أصبحت الأولوية لضم معلومة جديدة على حساب التعمق في تفسير معلومة قديمة.
  • عامل الاكتشاف الجغرافي المستمر: كانت الخريطة العالمية في طور الاكتشاف والتوسع غير المسبوق. كان العالم ينفتح باستمرار على أقاليم ومناطق جديدة وغير معروفة للجغرافيين في المراكز الحضارية. لذلك، كان الشغل الشاغل للجغرافي هو متابعة وتسجيل كل مستجد من هذه الاكتشافات وتوثيقها فوراً في مدونات وموسوعات، مما جعل عنصر الوصف والسرد الأداة الأكثر عملية وسرعة لإنجاز هذه المهمة.

3. المنهجية الفكرية: الانحدار نحو الحتمية البيئية

فيما يتعلق بالمنهج الفكري الذي استخدمته جغرافية هذه المرحلة لتنظيم وتفسير البيانات المجمعة، فقد تم التركيز على العلاقة بين الإنسان والبيئة، ولكن بطريقة مبسطة وأحادية:

  • العلاقة أحادية الاتجاه (الحتمية): ساد الاعتقاد بأن العلاقة بين الإنسان والبيئة كانت في اتجاه واحد؛ أي أن البيئة الطبيعية هي العامل الحاسم والمهيمن الذي يفرض شروطه ويحدد مسار حياة الإنسان. هذا المنهج، المعروف باسم الحتمية البيئية (Environmental Determinism)، افترض أن الظروف المناخية والتضاريس ونوع التربة هي التي تفرض النمط الاقتصادي (كالرعي، الزراعة، أو التجارة) وتحدد السلوك الاجتماعي وحتى السمات الثقافية للمجتمعات.
  • التحول المتأخر وإدراك التبادل: لم يبدأ جغرافيو هذه المرحلة في الإيمان بمبدأ تبادل التأثير بين الإنسان والبيئة إلا في فترة متأخرة جداً، تقريباً في القرن التاسع عشر. في البداية، كان هذا الاعتراف ضعيفاً، حيث كان تأثير الإنسان في البيئة يُرى على أنه ضئيل وغير جوهري. لكن مع تراكم الخبرة الجغرافية وبدء ملامح الثورة الصناعية في الظهور، تنامت خبرة الجغرافي في نهاية هذا القرن، وبدأ الإقرار بأن الإنسان ليس مجرد كائن خاضع، بل هو فاعل ومعدِّل للبيئة المحيطة به.

4. التقييم النقدي للمنتج الفكري الموسوعي

على الرغم من القيمة التاريخية الهائلة التي اكتسبتها هذه المرحلة في حفظ المعرفة، إلا أن المنتج الفكري الذي صدر عنها كان يعاني من قصور منهجي:

  • الطابع السردي والإطناب: كان المنتج الفكري يعتمد بشكل كبير على الوصف المفصل والإطناب في شرح وتفسير الظاهرات الجغرافية. كان التركيز على "ماذا" (What) بدلاً من "لماذا" (Why) وبشكل منهجي.
  • غياب المنطقية وتداخل الأساطير: كانت الشروح والتفسيرات في كثير من الأحيان تفتقر إلى المنطقية والتحليل العلمي الرصين. وبسبب عدم توفر الأدوات العلمية والتفسيرات المادية للعديد من الظواهر، كانت هذه الشروح تتأثر وتتداخل مع الخزعبلات والأساطير أو التفسيرات الغيبية، مما يضعف من مصداقيتها العلمية.
  • عدم الحسم وغياب الصبغة العلمية: بتقييم هذه الشروح التفسيرية، نجد أنها كانت غير حاسمة بطبيعتها، وكثيراً ما كانت قابلة للجدل والنقاش المستمر، لأنها لم تُبنَ على قواعد منهجية قابلة للتحقق أو القياس الكمي. ونتيجة لذلك، يمكن القول إن المنتج الفكري للجغرافيا في المرحلة الموسوعية خلا من الصبغة العلمية المنهجية بمعناها الدقيق في مجمل أموره.

شكل هذا القصور دافعاً أساسياً للجغرافيين في المراحل اللاحقة للبحث عن منهجيات أكثر تحليلاً وصرامة، مما أدى إلى الانتقال من الجغرافيا الوصفية إلى الجغرافيا التحليلية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال