تعتبر مدينة الشماعية، الواقعة بقلب إقليم اليوسفية في منطقة أحمر التاريخية بالمغرب، إحدى المدن التي تختزن ذاكرة حافلة بالتحولات العمرانية والاجتماعية. فبينما يُظهر المشهد الحضري الحالي صورة لمدينة طالها التهميش وتراجع الخدمات الأساسية، تكشف الوثائق والشهادات التاريخية عن ماضٍ مزدهر كانت فيه الشماعية حائزة على بنيات تحتية وتجهيزات متطورة سبق بها الكثير من المراكز الحضرية في منتصف القرن الماضي.
وفي هذا السياق، تكتسي شهادة الكاتب والإداري الفرنسي "أندري هارديي" في كتابه الشهير "سيدي الحاكم" قيمة وثائقية استثنائية، إذ تسلط الضوء على تفاصيل الحياة العصرية والمرتفعة المنسوب التي شهدتها المدينة ابتداءً من أربعينيات القرن العشرين، مقدماً مقترباً للمقارنة بين الماضي والمجال العمراني الحالي.
الشماعية في أربعينيات القرن الماضي: مظاهر التحديث والبنية التحتية المتطورة
يرسم أندري هارديي في مؤلفه صورة دقيقة ومدهشة لمدينة الشماعية خلال فترة الأربعينيات، حيث أشار إلى وجود بنيات خدماتية ورياضية وترفيهية جعلت من المدينة مركزاً حيوياً متكاملاً يتجاوز مفهوم المراكز القروية أو شبه الحضرية التقليدية.
مدرج هبوط الطائرات والخدمات الطبية المبكرة
أشار الكتاب إلى أن المدينة كانت تضم مطاراً (مدرجاً) لاستقبال الطائرات، مما يدل على الأهمية اللوجستية والاستراتيجية التي حظيت بها المنطقة آنذاك لتسهيل التنقل والتواصل. وعلى المستوى الصحي، كانت الشماعية تتوفر على مستشفى صغير يضم طبيباً وعددًا مهماً من الممرضين والمساعدين، مما ضمن تقديم رعاية صحية مستمرة للسكان والوافدين.
الفضاءات الرياضية والمرافق الترفيهية
لم تكن الشماعية مجرد نقطة إدارية، بل كانت حافلة بالأنشطة الرياضية والترفيهية المتنوعة؛ حيث احتوت على:
- ملعب للفروسية: لإقامة العروض والسباقات وممارسة الرياضات التقليدية والعصرية.
- ملعب لكرة المضرب (التنس): وهو ملمح رياضي نادراً ما كان يتوفر في غير المدن الكبرى حينها.
- مسبح بلدي: أتاح لساكنة المنطقة مرافق للاستجمام والرياضات المائية.
- ملعب لكرة القدم: شكل نواتاً للممارسة الرياضية الشعبية بين شباب المنطقة.
المساحات الخضراء والموارد المائية
تميزت الشماعية بغطاء خضري لافت؛ إذ انتشرت بها الحدائق والمشاتل التي كانت تُسقى عبر نظام مائي يعتمد على آبار عديدة يقارب عددها العشرة آبار، مما أضفى على المجال البيئي للمدينة طابعاً متناسقاً وجمالياً.
مفارقة التحول العمراني: تجريف التراث وتراجع الخدمات
إن المفارقة الأبرز التي تظهر عند مقارنة شهادة "سيدي الحاكم" بالواقع الراهن تكمن في حجم التراجع والتمدد العشوائي الذي طال هذه المعالم التاريخية على مر العقود المتلاحقة:
- اندثار المطار وطمس معالمه: تلاشت المدرجات والمنشآت المرتبطة بالمطار بالكامل دون استغلالها أو الحفاظ عليها كإرث تاريخي أو إعادة هيكلتها.
- هدم الملاعب الرياضية: اندثرت غالبية المرافق الرياضية المتقدمة كملعب الفروسية وملعب كرة المضرب والمسبح، ولم يسلم سوى ملعب كرة القدم الذي يعاني بدوره من قلة الصيانة وتراجع جودة التجهيزات.
- زحف الأسمنت على الحقول والحدائق: تحولت المساحات الخضراء والحدائق التي كانت تُغذيها الآبار إلى تكتلات إسمنتية وبنايات عشوائية، مما أدى إلى اختفاء الطابع البيئي الذي ميز المدينة قديماً.
- عجز المرفق الصحي عن مواكبة النمو الديمغرافي: رغم التزايد السكاني الكبير بالمقارنة مع فترة الأربعينيات، كشفت التحولات الصحية عن إضافة طبيبين فقط إلى الطاقم الطبي مع تقلص ملحوظ في عدد الممرضين، مما يبرز تراجعاً في المؤشرات الطبية مقارنة بالكثافة السكانية الحالية.
إعادة الاعتبار لذاكرة الشماعية وتحديات التنمية المستقبلية
إن قراءة تاريخ الشماعية عبر مدونات مثل كتاب "سيدي الحاكم" لأندري هارديي لا تهدف فقط إلى اجترار الحنين إلى الماضي (النستالجيا)، بل تشكل دعوة لتشخيص الواقع التنموي للمدينة وإعادة قراءة مخططات التهيئة العمرانية.
يتطلب النهوض بمدينة الشماعية اليوم إقرار استراتيجية تنموية شاملة تستحضر ذاكرتها العمرانية والرياضية، وتعمل على:
- إعادة رد الاعتبار للمرافق الرياضية والثقافية والترفيهية وتوفير متنفذات خضراء للساكنة.
- تأهيل القطاع الصحي عبر تعزيز الأطقم الطبية والشبه طبية وتوفير التجهيزات الحديثة التي تتناسب مع حجم السكان.
- تثمين التراث المحلي والتعريف بالتاريخ العمراني لإقليم اليوسفية ككل لتعزيز الجاذبية الاستثمارية والسياحية.

التعليقات