وثيقة تجديد الولاء: بيعة قبيلة أحمر للسلطان مولاي الحسن الأول
تعد هذه الوثيقة التاريخية شاهداً حياً على التقاليد السياسية والاجتماعية التي ميزت المغرب في القرن التاسع عشر، وتحديداً في مرحلة الانتقال السلمي للسلطة عقب وفاة السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن (المعروف بمولاي محمد الرابع) وتولي ابنه السلطان مولاي الحسن الأول مقاليد الحكم عام 1290هـ.
أولاً: السياق التاريخي للوثيقة
تستعرض الوثيقة لحظة فارقة في تاريخ قبيلة "أحمر"، حيث تبرز المبادرة التي اتخذها قائد القبيلة، هدي بن الضو الحميري، فور تلقيه النبأ الرسمي بوفاة السلطان السابق. لم تكن هذه الخطوة مجرد إجرائية إدارية، بل كانت تعبيراً عن التزام القبيلة العميق بالثوابت السياسية والبيعة الشرعية التي تربط أقاليم المغرب بالعرش العلوي.
ثانياً: تفاصيل ومراسم البيعة
تتجلى في نص الوثيقة (المؤرخة في 26 رجب 1290هـ) دقة التنظيم الاجتماعي والسياسي داخل القبيلة، ويمكن تلخيص مسارها في النقاط التالية:
- الاجتماع العام: دعت القيادة القبلية ممثلة في القائد هدي بن الضو "أعيان القبيلة وعامتهم" لاجتماع طارئ وموسع.
- الإخبار والتشاور: قام القائد بمطالعة (قراءة) الرسالة السلطانية الواردة من القصر، والتي تضمنت خبر وفاة السلطان الراحل، وإعلان تولي السلطان مولاي الحسن الأول للعرش.
- التفاعل الشعبي: استقبلت القبيلة الخبر بروح من المسؤولية؛ حيث تضمنت الوثيقة دعوات بالرحمة والمغفرة للسلطان المتوفى، وهو ما يعكس التقدير والاحترام الذي كانت تكنه القبائل لشخصية السلطان.
- الإقرار والالتزام: أجمع أهالي القبيلة على "البيعة والطاعة" للسلطان الجديد، مؤكدين استعدادهم الكامل للخدمة في جميع الأمور المعهودة، وهو ما يجسد قوة الرابطة السياسية والولاء للعرش.
ثالثاً: الدلالات السياسية والرمزية
تحمل الوثيقة أبعاداً تتجاوز مجرد الإعلان عن مبايعة، حيث تبرز مفاهيم سياسية كانت سائدة في تلك الحقبة:
- إجماع الأمة: تشير الوثيقة إلى أن البيعة في قبيلة أحمر جاءت متناغمة مع ما حدث في "الحاضرة والبادية" وبقية أقاليم المملكة، مما يعزز صورة الوحدة الوطنية وتلاحم الشعب مع القيادة المركزية.
- الشرعية الدينية والسياسية: استخدمت الوثيقة لغة تجمع بين الدعاء والولاء، حيث صُوِّر السلطان الجديد بصفته "خليفة الله في أرضه" والمسؤول عن "رفع منار الشريعة النبوية"، مما يعطي للبيعة صبغة تعاقدية دينية واجتماعية.
- الحس الأمني والدفاعي: عبّر القائد هدي بن الضو في مراسلاته عن "المرصاد لكل من رام شيئاً مكروهاً"، وهو تعبير صريح عن استعداد القبيلة لحماية الثغور والاستقرار الداخلي ضد أي تهديدات محتملة في فترة الانتقال السياسي.
رابعاً: التوثيق القانوني
تكتسب هذه الوثيقة حجيتها التاريخية والقانونية من خلال الإجراءات التي خضعت لها آنذاك:
- حُفظ الأصل في مديرية الوثائق الملكية.
- تمت عملية "التقييد" والشهادة على أيدي أعيان وشهود.
- حملت توقيع وتزكية نائب قاضي آسفي وعبدة وحمير، مما يضفي عليها طابعاً رسمياً يثبت صحة البيعة وإجراءاتها أمام السلطات القضائية والإدارية في ذلك الوقت.